فخر الدين الرازي
59
تفسير الرازي
أن قوله * ( كالذي ينفق ماله ) * إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه الله : وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجزين بهم ) * ( يونس : 22 ) . ثم قال : * ( والله لا يهدي القوم الكافرين ) * ومعناه على قولهم : سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم . ثم قال تعالى : * ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير ) * . إعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغيت وابتغيت . والغرض الثاني : هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك اتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد * ( وتثبيتاً من بعض أنفسهم ) * وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت يبذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه * ( من ) * التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله * ( وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) * ( الصف : 11 ) وهذا الوجه ذكره صاحب " الكشاف " ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال : * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه * ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) * ( الإنسان : 9 ) ووصف إنفاق أبي بكر فقال : * ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء